بعلبك مدينة الشمس …. تختفي

هيليوبولس، مدينة الشمس، بعلبك. هذه المدينة العريقة التي عرفت بعاصمة السياحة فـي البقاع، لا بل على صعيد لبنان ككل. ومن منا لا يعرف معالمها الأثرية الكثيرة والغنية المنتشرة كيفما تجولت في ربوعها، من قلعتها التاريخية لحجرالحبلى أو القبلة، الذي يعتبر أكبر حجر في العالم. وصولاً لمعبد نبتون على نبع رأس العين، مروراً بالجامع الأموي وقبة السعيدين. يضاف الى كل ذلك طبيعة أهلها المضيافة بحكم العادات والتقاليد وتراث هذه المدينة .

 تقع مدينة بعلبك في القسم الشمالي من سهل البقاع. تمتد من السفوح الشرقية على ارتفاع 1300 م، إلى إيعات غرباً على ارتفاع 950 م. ينبع منها نهر الليطاني “جنوبها الغربي” ونهر العاصي “شمالها الغربي”، ويسكنها حوالي 75000 نسمة.

بعلبك ومنذالخمسينات ولغاية بداية الحرب الاهلية في لبنان، كانت قبلة لأكثر من 90% من السياح والزوار للبنان. ولكن أحداث الحرب اللبنانية أدت الى تراجع السياحة في بعلبك. إضافة إلى عدم تطوير الخدمات السياحية، فهي لا تزال  بدائية نوعا ما، ولا تواكب الحداثة. كما أنه لا يوجد شركات محلية لتسويق السياحة في بعلبك بطريقة إحترافية. يجاريها إهمال كبير من قِبل الدولة اللبنانية التي لا تتذكر المدينة إلاَّ خلال مهرجانات صيف بعلبك، وتحكم الأحزاب الدينية في المنطقة التي تعمل على تأخيرها وليس تقدمها.

أما سياسياً، تفتقد منطقة بعلبك منذ الثمانينات إلى اليوم المرجعيات والقيادات السياسية الوطنية، والحضور الفاعل والجدي للاحزاب العلمانية. ولعل الغياب القسري لهذه القوى المؤثرة أفقد منطقة بعلبك حياتها السياسية الحقيقية، فاختفت موازين القوى، وعوامل تأثير القيادات الوطنية والعائلات والعشائر. وإختفى التنوع الحزبي والسياسي، وباتت الحياة السياسية في المنطقة من لون واحد، مختصرة بجهة حزبية واحدة.

حزب من لون واحد

مع بروز “حزب الله” على الساحة اللبنانية منذ العام 1982، ومع تطوّر إمكانياته المادية التي أصبحت في أواخر الثمانينات تضاهي إمكانيات الدولة اللبنانية، أصبح حزب الله يشكل القوة السياسية الحزبية الاولى في بعلبك. ومع توالي الانتخابات بات “حزب الله” المرجعية والمحور. وإستفاد الحزب بلا شك من الدعم السوري السياسي والمعنوي في تلك الفترة. فمن شملته نعمة الترشح على لائحة الحزب بات حكماً من الفائزين في الانتخابات النيابية. واستطاع “حزب الله” الدخول إلى العشائر والعائلات في المنطقة، والتقارب مع العائلات المسيحية والسنية، وأحدث تحولات كبرى في التوجهات السياسية والانتخابية لأبناء منطقة بعلبك ، فضعف دور العشائر، ودور العائلات التاريخية، وإختفى تأثير الأحزاب العلمانية، التي صارت هي نفسها تنتظر دوراً أو حصة لها على لائحة “حزب الله”. وإفتقدت منطقة بعلبك المرجعيات السياسية والوطنية، فباتت تفتقد تنوع الحياة السياسية والحزبية، وتختلف إختلافاً كلياً عن جارتها زحلة التي لا تزال تتمتع بوجود مرجعيتها السياسية. فالأحزاب في بعلبك غابت كلياً عن الساحة، فلا نشاط حزبياً سوى نشاطات “حزب الله”، ولا مكاتب حزبية في بعلبك باستثناء مكتب ناشط لحركة أمل، فيما إختفى دور بقية الاحزاب وتقهقهر، وتحول إسم المدينة من مدينة الشمس إلى (خزان المقاومة).

حسن زين الدين ناشط سياسي يقول:

لا شك في أن الأحزاب قوة أساسية وقاعدة للإنطلاق نحو بناء المجتمعات الديموقراطية. لكن ما حصل إنه تمّت مصادرة دور الاحزاب الوطنية أيام السوريين، وبتنا أمام ثنائية “حزب الله” – السوريين. وبات من المستحيل التحرك ضمن هذه الوصاية الموجودة، فإما أن نعمل لدى الطرف الوصي، أو البقاء على إستقلاليتنا.  ولكن السؤال اليوم من يحميني ويؤمن حقي في ممارسة الحياة الحزبية في إطار ديمقراطي؟ لذا فإن تخلفنا عن العمل الحزبي في هذه المنطقة سببه هذا الواقع الصعب، في إنتظار تغير الأحوال التي تسمح لنا العمل بحرية كأحزاب لبنانية، تعيش في ظل سياسة قمعية إقطاعية تحكمها قوى أمر الواقع.

علي المقداد

علي من سكان مدينة بعلبك اللذين يعانون من تحكم الأحزاب وتدهور الأوضاع الأمنية في المنطقة. ويقول علي ” بعلبك تغيرت وجهتها وتراكم الإهمال فيها على مر العصور للمدينة. الحالة الامنية المتردية في المنطقة، من بعض الافراد ( الشبيحة) هي مفتعلة ومتعمدة. وذلك لكي تبقى المنطقة خارجة على القانون وجزيرة أمنية مستقلة عن لبنان. هذا الوضع ساهم في رسم صورة سلبية عن المنطقة، وأدى إلى تأثيرات سلبية على جميع المستويات. إفتقدت بعلبك لأبسط المقومات التي كانت موجودة قبل الحرب، فعلى سبيل المثال لا الحصر لا يوجد دار سينما واحد فـي بعلبك أو مسرح. علماً أن التخطيط البلدي(بسبب التحكم) إقتصر عمله فـي مجال السياحة الذي يعيش في حالة غيبوبة الأن .

… بعلبك هي مدينة عريقة من حيث التاريخ والثقافة والإرث الغني عن التعريف.هي التراث والعلاقات الإنسانية الحميمة، هي الكرم والجود والانفتاح. بعلبك اليوم هي الحذر وعدم الإستقرار، هي الإهمال والأزمة الإقتصادية، هي الهجرة والضياع، إنه الواقع الحالي للمدينة. ولكن ” لا يصح إلا الصحيح “. سيأتي يوم وتنهض بعلبك من تحت الركام وستعيد مجدها كما كانت حتى أفضل

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.